حجاج بوخضور يكتب.. القدس بين الرواية والدليل

ثلاثة أسماء ارتبطت، في عصور وسياقات مختلفة، بمدينة واحدة ومجالها المقدس: أورشليم، وإيلياء، وبيت المقدس.. لكنها ليست مترادفات نشأت في زمن واحد؛ ومن هنا يبدأ التفريق الضروري بين ثبوت المكان تاريخيا وصحة الروايات التوراتية المنسوبة إليه.
فالقرآن ذكر ( المسجد الأقصى)، ولم يسمِّ القدس أو فلسطين صراحة.. غير أن المصادر الإسلامية المبكرة عرفت إيلياء وبيت المقدس وربطتهما بالمكان الذي فتحه المسلمون في عهد عمر رضي الله انه.. لذلك فإن ردّ هذا الربط كله إلى مجرد استعارة من الجغرافيا التوراتية يحتاج إلى دليل مستقل…
والأهم أن وجود المدينة أقدم من السرد التوراتي بصورته النصية النهائية؛ فاسم أورشليم موثق في رسائل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.. لكن ثبوت أورشليم لا يثبت تلقائيا تاريخ داود أو سليمان عليهما السلام أو الهيكل كما تصفه النصوص؛ فهذه قضايا مستقلة لا تُحسم إلا بالنقوش والآثار والمصادر المتزامنة…
وفي الاتجاه الآخر، فإن وجود موضع باسم “قُدس”، أو تشابه الأسماء التوراتية مع أسماء جنوب الجزيرة العربية، يستحق الفحص، لكنه لا يكفي لنقل مسرح التاريخ آلاف الكيلومترات.. لا بد من إثبات قِدم الأسماء، وتطابق شبكة المدن والطرق والمسافات والتضاريس، ثم العثور على قرائن أثرية ونقوش متزامنة تنتظم في النموذج نفسه وهو ما يعزز خطأ الرواية التوراتية…
فالتشابه اللغوي يفتح باب البحث، لكنه لا يغلق القضية.
المنهج لا يحرس الجغرافيا الموروثة، ولا يمنح الجغرافيا البديلة حصانة؛ كلاهما يقف أمام محكمة الدليل، وبالمعيار نفسه…HB



