اخبار عاجلهمقالاتمقالات كتاب الموقع

هو أنا وزير الكهرباء.. بقلم أمجد جلال

أرسلت اليوم توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى وزير الكهرباء، والتي شدد فيها على ضرورة ضبط أسعار فواتير الكهرباء والتيسير على المواطنين، إلى محصل الكهرباء المسؤول عن استلام فاتورتي الشهرية في منطقة حدائق الأهرام.
لم أرسلها باعتباره وزيرًا للكهرباء، ولم أطلب منه أن يصدر قرارًا، أو يغيّر تعريفة، أو يحل أزمة ملايين المواطنين.
أرسلتها فقط لأن الرجل هو الواجهة التي يراها المواطن كل شهر عندما تأتي فاتورة الكهرباء.
لكنني فوجئت برده:
**«إنت بتعمل ثورة عليا.. هو أنا وزير الكهرباء؟»
ضحكت، ورددت عليه مازحًا:
«إن شاء الله تكون وزير الكهرباء.. يعز من يشاء بإذن الله.»
لكن الرجل رد بجملة جعلتني أتوقف قليلًا:
«لا دي مسؤولية كبيرة وحسابها عسير يوم القيامة.. ربنا يبعدنا عنها.»
ثم قلت له:
«أعانك الله.»
فكان رده:
«أنا وإنت يا محترم.. ربنا يحققلك اللي بتتمناه.»
وانتهى الحوار.
لكن الحقيقة أن جملة «هو أنا وزير الكهرباء؟» ليست مجرد رد عابر من محصل فواتير.
إنها جملة تختصر أزمة كاملة.
نحن في مصر، عندما تضيق الأمور، يبدأ كل شخص في إلقاء المسؤولية إلى الأعلى. الموظف يقول: أنا مجرد موظف. المحصل يقول: أنا لست وزيرًا. المدير يقول: القرار من فوق. الوزير ربما يقول: هناك جهات أخرى مسؤولة.
وفي النهاية، يبقى المواطن وحده أمام الفاتورة.
لا أحد يطالب محصل الكهرباء بأن يحدد الأسعار، ولا أحد يتوقع منه أن يضع سياسات الطاقة، لكن كل إنسان في موقعه جزء من منظومة أكبر.
الرئيس يوجه.
الوزير ينفذ.
المسؤول يتابع.
والموظف يتعامل مع المواطن.
فإذا انقطعت هذه السلسلة، تحولت توجيهات الرئيس إلى عناوين في الأخبار، وتحولت شكاوى المواطنين إلى رسائل على «واتساب»، وتحولت المسؤولية إلى كرة يتبادل الجميع ركلها بعيدًا.
ربما كان محصل الكهرباء محقًا عندما قال: «هو أنا وزير الكهرباء؟»
وأنا أيضًا لم أقل إنه الوزير.
لكن المواطن من حقه أن يتساءل:
**إذا لم يكن المحصل مسؤولًا، فمن المسؤول عن وصول صوت المواطن؟
وإذا لم يكن المسؤول المحلي مسؤولًا، فمن المسؤول عن تنفيذ القرارات؟
وإذا كانت كل درجة في السلم تقول: «أنا مش المسؤول»، فمن الذي يحمل المسؤولية؟

أكثر ما أعجبني في هذا الحوار، رغم بساطته، أن الرجل في النهاية قال: «ربنا يبعدنا عنها.. دي مسؤولية كبيرة وحسابها عسير يوم القيامة».

وربما كانت هذه أهم جملة في الحوار كله.
لأن المسؤولية فعلًا ليست منصبًا ولا لقبًا ولا سيارة ولا مكتبًا مكيفًا.
المسؤولية حساب.
وكل من يجلس على كرسي، كبيرًا كان أو صغيرًا، سيأتي يوم يسأل فيه نفسه قبل أن يسأله أحد:

هل خففت عن الناس أم زدت عليهم؟
هل سمعت شكواهم أم تهربت منها؟
هل نفذت ما عليك أم قلت: هو أنا الوزير؟**
أما صديقي محصل الكهرباء، فأنا لا أريدك وزيرًا للكهرباء يا أستاذ علي.
يكفي أن تستمر في عملك كما أنت… رجلًا بسيطًا يعرف أن المسؤولية كبيرة، وأن حسابها عسير.
وهذه، في حد ذاتها، بداية جيدة جدًا.
أمجد جلال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى