خبراء يحسمون الجدل.. هل عاشت زوجة الرسول في هذا المكان بالمنيا (صور)

في ذكرى المولد النبوي الشريف، تستعيد محافظة المنيا واحدة من أشهر الحكايات المرتبطة ببيت النبوة، وهي قصة السيدة مارية القبطية، التي تنسب الروايات التاريخية أصولها إلى قرية الشيخ عبادة، التابعة لمركز ملوي، شرقي النيل.
وبينما لا يزال اسمها حاضرًا في الذاكرة الشعبية لأهالي القرية، ارتبطت سيرتها برحلة استثنائية بدأت من أرض مصر وانتهت في المدينة المنورة، حيث أصبحت من المقربين إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
طفولة مارية في أرض المنيا
تذكر المصادر التاريخية أن مارية هي “مارية بنت شمعون المصرية”، وأنها ولدت في قرية الشيخ عبادة، الواقعة في مواجهة منطقة الأشمونين الأثرية على الضفة الأخرى من نهر النيل، ونشأت مارية في بيئة مصرية قبطية، قبل أن تتغير حياتها بصورة كاملة عندما انتقلت مع شقيقتها سيرين إلى بيت المقوقس، عظيم القبط وحاكم مصر في ذلك الوقت.
بدأت رحلة مارية نحو بيت النبوة عقب إرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسالة إلى المقوقس يدعوه فيها إلى الإسلام، ورغم عدم استجابة المقوقس للدعوة، إلا أنه أرسل إلى النبي هدية تضمنت جاريتين مصريتين هما “مارية” وشقيقتها “سيرين”، إلى جانب عدد من الهدايا الأخرى، من بينها الثياب والذهب والعطور والعسل وبغلة، كما أرسل رجلاً يُدعى “مأبور”.
غادرت مارية وشقيقتها أرض مصر ضمن الركب المتجه إلى الحجاز، لتبدأ رحلة جديدة في حياتهما. وبعد وصول الهدية إلى المدينة المنورة، اختار النبي صلى الله عليه وسلم “مارية” لنفسه، بينما أهدى شقيقتها “سيرين” إلى الصحابي والشاعر حسان بن ثابت، لتصبح “مارية” بذلك واحدة من النساء اللاتي ارتبطت سيرتهن ببيت النبوة.
لم تكن رحلة مارية مجرد انتقال من بلد إلى آخر، وإنما كانت تحولًا جذريًا في حياتها؛ فبعد أن خرجت من أرض مصر، وجدت نفسها في المدينة المنورة، وسط مجتمع المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، واعتنقت الإسلام وحظيت بمكانة خاصة عند الرسول بعد أن تزوجها وأنجبت له ابنه إبراهيم، الذي توفي في سن صغيرة.
منزل في الصحراء يحمل اسم مارية
وفي قرية الشيخ عبادة، لا تزال حكاية أخرى مرتبطة باسم “مارية” تتناقلها الأجيال؛ إذ يوجد مبنى صغير قديم في منطقة صحراوية بالقرب من القرية، يعتقد بعض الأهالي أنه المنزل الذي عاشت فيه السيدة مارية القبطية قبل رحيلها إلى الحجاز.
ويتكون المبنى من غرفة صغيرة مبنية بالطوب اللبن، ويحيط بها سور، وأصبح على مدار سنوات مقصدًا لبعض الأهالي الذين ربطوا المكان بسيرة زوجة النبي.
ورغم انتشار الرواية الشعبية حول المنزل، فإن الدراسات الأثرية لا تؤيد نسبته إلى مارية القبطية، فبحسب أثريين متخصصين في الآثار القبطية والإسلامية بالمنيا، فإن المبنى يقع ضمن الحرم الأثري لمنطقة الشيخ عبادة، وتعود أهميته إلى العصر القبطي، وليس إلى فترة حياة السيدة مارية.
غرفة دفن لكاهن قبطي
وتشير الدراسات إلى أن الغرفة الصغيرة تعود إلى القرن الرابع الميلادي، أي قبل ظهور الإسلام بنحو قرنين، وترتبط بكاهن قبطي يُدعى «سيدوس»، وكانت تستخدم كحجرة دفن، وهو ما ينفي أثريًا الرواية التي تربط المكان بإقامة مارية فيه، خاصة أن المبنى أقدم زمنيًا من الفترة التي عاشت فيها.
بعثة إيطالية حسمت الجدل
ولم يتوقف الأمر عند الدراسات المصرية، إذ سبق لبعثة إيطالية أن أجرت أبحاثًا وأعمالًا ميدانية في منطقة الشيخ عبادة والمبنى قبل نحو 80 عامًا، وخلصت كذلك إلى ارتباط الغرفة بالكاهن القبطي، دون العثور على دليل أثري يثبت أن مارية القبطية عاشت في هذا المكان.
وهكذا ظلت قصة المنزل حاضرة في الذاكرة الشعبية، بينما جاءت الأدلة الأثرية برواية مختلفة، وبين الرواية التاريخية التي تنسب مارية إلى قرية الشيخ عبادة، والحقيقة الأثرية التي تنفي إقامتها في المنزل المتداول، تبقى قصة مارية القبطية واحدة من أكثر الحكايات ارتباطًا بالصلة التاريخية بين مصر وبيت النبوة؟







