الخبير المصرفي خالد عمران يكتب: “كيف نحوّل لحظة فخر المونديال إلى مشروع اقتصادي حقيقي”

في الثامن من يوليو 2026، وقف ملايين المصريين أمام شاشاتهم وهم يشاهدون منتخبهم يتقدم على الأرجنتين – حاملة اللقب – بهدفين دون رد لمدة 79 دقيقة ، كانت مصر على بعد 11 دقيقة فقط من ربع نهائي كأس العالم. وحين انتهت المباراة ، لم تكن دموعنا دموع هزيمة، بل دموع من أدرك أن شيئاً ما تغيّر إلى الأبد. أنهى منتخب مصر البطولة بسجل مميز، محققاً أرقاماً قياسية غير مسبوقة؛ لأول مرة يتأهل من دور المجموعات، ولأول مرة لا يتلقى هزيمة فيها، ولأول مرة يفوز بمباراة في المونديال، ولأول مرة يدخل الدور الثاني.
السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، في خضم هذا الزخم وهذا الشعور بالانتماء ، كيف نحوّل لحظة الفخر إلى مشروع اقتصادي مستدام؟
أولاً: مونديال المغرب 2030 هو فرصة بلا فاتورة ، فبدلاً من أن تتحمل مصر تكاليف الاستضافة الضخمة، يمكنها أن تكون “الوجهة السياحية الموازية” لملايين الزوار القادمين للمغرب. فمن يأتي لمشاهدة المونديال في المغرب، يجد نفسه على عدة ساعات طيراناً من الأهرامات والأقصر وأبوسمبل. وهي فرصة تسويقية استثنائية يجب البناء عليها الآن ، وليس في عام 2030 ، وذلك عبر إطلاق باقات سياحية مشتركة بين مصر والمغرب تستهدف الزوار الدوليين، وتيسير إجراءات التأشيرة للجنسيات المستهدفة، للاستفادة من زخم المونديال في المغرب في رحلة واحدة ممتدة.
ثانياً: حقق منتخب مصر مكاسب مالية غير مسبوقة من مشاركته في المونديال. لكن المكسب الأهم لم يكن مالياً، بل كان شعوراً جماعياً بالانتماء والفخر والوطنية، هذا الشعور ثروة قابلة للاستثمار، عبر تطوير شامل للكرة المصرية ، ففي أوروبا، تحولت الأندية الكبرى إلى كيانات اقتصادية ضخمة بدعم شركات ومستثمرين. وهنا يبرز مساران متكاملان :
المسار الأول هو استحواذ الشركات المصرية الكبرى – من بنوك وشركات بترول واتصالات وصناعات ثقيلة – علي الأندية الصغيرة والمتوسطة مقابل حوافز ضريبية حقيقية. هذا الحل لا يُكلّف خزينة الدولة قرشاً واحداً، لكنه يضخ دماً جديداً في منظومة الكرة.
المسار الثاني هو دمج الأندية الصغيرة في كيانات أكبر وأقدر. فمصر اليوم تعج بعشرات الأندية في المدن نفسها، تتنافس على الجمهور ذاته، وتتصارع على اللاعب ذاته، وتطرق باب الراعي ذاته في حلقة مفرغة لا يربح فيها أحد. الدمج الطوعي لن يُفقد الأندية هويتها، بل سيمنحها ما كانت تفتقده دائماً: القدرة على المنافسة، وبناء الأكاديميات، واستقطاب المدربين المحترفين، وخلق جيل من اللاعبين الذين لن يكون دور الـ16 سقف أحلامهم، بل بداية طموحهم.
الكرة المصرية تمتلك جمهوراً هائلاً، وأندية عريقة، وزخماً شعبياً بعد مونديال 2026 لم نشهده منذ عقود. ما ينقصها هو النموذج الاقتصادي الذي يحوّل الحماس إلى دخل مستدام.
الخبير المصرفي : خالد عمران




