حجاج بوخضور يكتب.. وهمُ براءة الخبر وهندسة الأثر

لم تعد صناعة الأخبار في الفضائيات ووسائل التواصل تُخاطب العقول بقدر ما تُدير الغرائز، ولا تُعنى ببناء الفهم بقدر ما تُحسن هندسة الأثر.
فهي لا تنقل الواقعة كما وقعت، بل كما يُراد لها أن تستقرّ في الوعي؛ بعد أن تمرّ على مصافي الانتقاء، والصياغة، والترتيب، والتأويل، وربما التهويل والتبهير.
فما يُعرض ليس كلَّ ما كان، وما يُحجب ليس هيّنَ الخطر، وما يتقدّم في النشرة ليس بالضرورة أحقّ الأخبار بالتقديم، بل أقدرها على خدمة السردية المراد تثبيتها.
فالخبر، في صورته المعاصرة، ليس مادة بريئة، بل حدث أُعيد بناؤه في قالب مخصوص: تصوغه العبارة، ويقوده العنوان، وتخدمه اللقطة، وتمنحه المنصّة شرعية مصنوعة، ثم تُلقيه في نفس المتلقي ممهورًا بالأثر المطلوب.
لذلك لا يكون الضيف شاهدًا حرًّا على الحقيقة، ولا المذيع وسيطا منزّهًا، ولا السؤال سبيلًا خالصًا إلى البيان؛ بل قد يغدو الجميع أجزاء في آلة واحدة، تُحسن توزيع الأدوار بقدر ما تُحسن حجب المقاصد.
ومن ثمّ، فالاكتفاء بقناة واحدة ليس طلبًا للحقيقة، بل خضوعًا لرواية واحدة. والإنسان لا يكتفي بأن يعلم ما جرى، بل يطلب معناه ومآله؛ والخبر يجيب عن الوقوع، لكنه لا يستقل ببيان الدلالة.
لذلك لا يكون الرشد بترك التحليل، بل بتمييزه، ولا بأخذ الخبر من شاشة واحدة، بل بمقابلة الروايات، حتى لا يُخدع المرء بوهم الموضوعية وهو أسير تأطير لا يبصره.






