كلام تقيل| معاشات على الورق.. بقلم: كمال كبشة

في مصر، هناك ظاهرة تتكرر كل عام تقريبًا، تظهر في العناوين، والنشرات، والتصريحات الرسمية: “زيادة المعاشات”.
الخبر يبدو مطمئنًا… لكن الغريب أن ملايين أصحاب المعاشات أنفسهم لا يشعرون بأي تغيير. لا في قدرتهم على الشراء، ولا في أعباء حياتهم، ولا في نهاية الشهر.
هنا تبدأ الحكاية التي لا تُقال.
الحقيقة أن ما يُسمى زيادات المعاشات في مصر أصبح في كثير من الأحيان خبرًا لا يخص أصحاب المعاشات أصلًا. زيادة تُطبّق على من سيخرجون على المعاش حديثًا، أو تعديل رقمي في الحدود التأمينية، أو نسبة شكلية يبتلعها التضخم قبل أن تصل إلى الجيب.
النتيجة أن المواطن يسمع “زيادة”… بينما واقعه يقول: لا شيء تغيّر.
وهذا أخطر ما في الملف: تحول المعاش من دخل يحدد مستوى الحياة، إلى رقم إعلامي يُستخدم في البيانات.
الزيادة الحقيقية في أي معاش تُقاس بشيء واحد فقط: هل يستطيع المتقاعد أن يعيش أفضل؟ والإجابة عند أغلب أصحاب المعاشات في مصر واضحة: لا.
فالأسعار ترتفع بوتيرة أسرع بكثير من أي تعديل معاشي، وتكاليف العلاج تقفز كل عام، والغذاء يلتهم الجزء الأكبر من الدخل، بينما المعاش يتحرك ببطء إداري لا يواكب الواقع.
لكن الأخطر نفسيًا هو الإحساس المتكرر بالخديعة. أن تسمع أنك حصلت على زيادة… ثم تكتشف أن حياتك لم تتغير.
أن ترى أرقامًا أكبر على الورق… لكن قدرتك على شراء الدواء أقل. أن تعيش إحساسًا دائمًا بأنك خارج حسابات التحسن الاقتصادي.
وهنا تتحول القضية من اقتصاد إلى ثقة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام اجتماعي هو أن يشعر كبارُه أن ما يُعلن لا يخصهم.
المشكلة في المعاشات في مصر ليست فقط انخفاضها، بل اتساع الفجوة بين ما يُقال عنها… وما يُعاش بها.
هذه الفجوة هي التي تصنع الإحباط، وتحوّل كل إعلان زيادة إلى خبر بارد، لا يغير واقعًا، ولا يعيد كرامة.
ولهذا فإن إصلاح ملف المعاشات لا يبدأ بنسبة زيادة، بل بقاعدة بسيطة: أي زيادة لا يشعر بها صاحب المعاش في حياته اليومية… ليست زيادة.
هذه ليست معادلة اقتصادية معقدة، بل حقيقة اجتماعية واضحة.
أما استمرار الحديث عن زيادات لا تصل إلى الحياة الفعلية، فهو ببساطة صناعة وهم جماعي اسمه: تحسن المعاشات.
وهنا تصبح الحقيقة أثقل من الأرقام… وهنا يصبح الصمت أخطر من الفقر.
وهذا… كلام تقيل.





