مجتمع

كلام تقيل.. حين يصبح الطب إنسانية… قبل أن يكون مهارة بقلم: كمال كبشة

في حياة الإنسان محطات فارقة، لا تُقاس بزمنها، بل بأثرها العميق في النفس. ومن بين هذه المحطات، تظل لحظة المرض الشديد واحدة من أقسى ما قد يمر به الإنسان، حين تتقلص الخيارات، وتضيق الآفاق، ويصبح الأمل ذاته هشًا كخيط رفيع.

لم أكن أعرف الأستاذ الدكتور حسين الحياتي، استشاري جراحة الكبد والبنكرياس في دولة الكويت، ولم يكن يعرفني. لم تجمعنا معرفة سابقة، ولا صلة شخصية، ولا حتى توصية مباشرة. مجرد تحويل طبي من مستشفى حسين مكي جمعة… إلى طبيب لم ألتقِ به من قبل.

دخلت إلى مكتبه يومها مثقلاً بالأسئلة، وبحالة صحية متأخرة جعلت فكرة الجراحة نفسها موضع شك. كان الملف الطبي واضحًا: حالة معقدة، متأخرة، وتدخل جراحي عالي الخطورة. وكانت خلاصة ما سمعته في أماكن عدة قبل ذلك: العملية شبه مستحيلة… ونسبة النجاح ضعيفة.

لكن ما حدث في ذلك اللقاء الأول لم يكن نقاشًا طبيًا تقليديًا. كان حوارًا هادئًا، عميقًا، مسؤولًا… بين طبيب يفهم حدود العلم، ويعرف في الوقت نفسه كيف يفتح نافذة أمل واقعية، لا وهمًا.

لم يعِدني بشيء، ولم يجمّل الصورة، ولم يخفِ صعوبة الحالة. بل وضع أمامي الحقيقة كما هي، بكل تعقيداتها، ثم قال بهدوء الطبيب الواثق: هناك بروتوكول علاجي يمكن أن نحاول به أولًا… لنرى كيف يستجيب الجسم.

لم تكن تلك مجرد خطة علاج. كانت بداية استعادة الأمل.

منذ تلك اللحظة، لم يكن الدكتور حسين الحياتي طبيبًا يتابع حالة فحسب، بل إنسانًا حاضرًا بكل ما تعنيه الكلمة. أعطاني رقمه الخاص، وكان يجيب دائمًا. يتابع، يطمئن، يشرح، ويُبسّط ما تعقّد. وحين تتحسن الحالة قليلًا، كان هو أول من يتصل قبل الموعد، لا بعده.

في عالم الطب المزدحم بالمواعيد والملفات، هناك أطباء مهرة كُثر. لكن قليلين هم من يجمعون بين الدقة العلمية… والاحتواء الإنساني.

مرّ الوقت، واستجابت الحالة تدريجيًا للبروتوكول العلاجي. ومع تحسن المؤشرات، طرح الدكتور الحياتي القرار الذي كنت أظنه مستحيلًا: إمكانية إجراء الجراحة.

كانت العملية من النوع الذي يتطلب جرأة علمية محسوبة: استئصال فص من الكبد مع المرارة… في حالة سبق أن وُصفت بأنها عالية الخطورة.

لم يكن القرار اندفاعًا، بل مبنيًا على متابعة دقيقة، وقراءة متأنية لكل تفصيلة في الحالة. وهنا يتجلى الفرق بين طبيب يرفض المخاطرة مطلقًا… وطبيب يعرف متى تكون المخاطرة العلمية واجبًا مهنيًا.

تمت الجراحة. وما كان يُقال عنه إنه شبه مستحيل… أصبح واقعًا تم بفضل الله، ثم بعلمٍ راسخ، ويدٍ جراحية واثقة، وضمير طبي يقظ.

بعد رحلة علاجية طويلة، وسفر إلى أماكن عدة بحثًا عن فرصة، كان لقائي بالدكتور حسين الحياتي نقطة التحول التي أعادت تعريف الممكن في نظري.

ليس الهدف من هذه الكلمات الإشادة بشخص، بقدر ما هو توثيق تجربة. تجربة تُظهر أن في المنظومة الطبية الكويتية نماذج رفيعة، لا تكتفي بإتقان الجراحة، بل تمارس الطب بوصفه رسالة إنسانية كاملة.

فالطب، في جوهره، ليس مشرطًا فحسب… بل قلبٌ يفهم، وعلمٌ يُحسن التقدير، وأخلاقٌ تسبق القرار.

ولأن المجتمعات تُقاس بقدر ما تحتضن من عطاء صادق، فإن وجود أطباء من طراز الدكتور حسين الحياتي ليس مجرد نجاح فردي، بل قيمة مضافة للطب في دولة الكويت، ونموذج يُحتذى في المهنة والإنسانية معًا.

هذه ليست كلمات امتنان، بل شهادة حق… وهذا هو كلام تقيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى