مقالات

“شعرة معاوية” التى انقطعت بين السادات وخصومه وانتهت بالقطيعة.. بقلم احمد بكير

فى منتدى “اللمة” فاجأنى الصديق الكاتب الكبير أكرم القصاص بإهدائى كتابه الأخير (شعرة معاوية.. السادات وخصومه)، موقعًا عليه بإهداء رقيق، كعادة الكُتاب الكبار، وما إن بدأت فى قراءته حتى انهيته فى ليلة.. ووجدت فى الكتاب رؤية معتدلة لعصر الرئيس الراحل أنور السادات. وبدلاً من الانخراط في سجال “المؤيد والمعارض”، يقدم الكتاب قراءة سريعة لسياسات السادات الداخلية، من خلال المفهوم العربي القديم “شعرة معاوية”، الذي يشير إلى فن المناورة السياسية والحفاظ على التواصل مع الخصوم.

     يستند القصاص في تحليله إلى فكرة جوهرية: أن السادات لم يكن يسعى للقضاء المباشر على معارضيه، بل كان سياسياً براجماتياً أتقن فن إدارة الصراع عبر “الشعرة”. فـ”الشعرة” هنا هي ذلك الخيط الرفيع من التواصل والتفاوض غير المعلن، الذي يسمح بإدارة الخلاف دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. كان السادات يرخي هذا الخيط أو يشده حسب ميزان القوى وحسب الظروف، في محاولة للحفاظ على مساحة للمناورة وتفادي المواجهات الشاملة .

     هذا النهج – كما يوضح الكتاب – منح السادات مرونة كبيرة في السنوات التالية لرحيل جمال عبد الناصر، مكنته من تفكيك مراكز القوى القديمة، وبناء تحالفات جديدة بسرعة، مستغلاً التناقضات بين القوى المختلفة.

     يحلل “القصَّاص” علاقة السادات بالقوى السياسية الرئيسية، كجماعة الإخوان المسلمين، التى كانت  هي النموذج الأمثل لتطبيق سياسة “الشعرة”، حيث استعان السادات بالإخوان في معركته ضد اليسار والناصريين، فسمح لهم بحرية نسبية في العمل الطلابي والنقابي. لكن هذه “الشعرة” لم تكن متينة؛ فمع صعود نفوذ الجماعة ومعارضتها لاتفاقية السلام مع إسرائيل، بدأ التوتر يزداد حتى انقطعت تماماً، لتتحول العلاقة إلى صدام مفتوح بلغ ذروته في أحداث سبتمبر 1981.

      على العكس من الإخوان، كانت علاقة السادات بالتيار الناصرى واليساريين عمومًا محكومة بصراع وجودي منذ البداية، خاصة بعد أحداث “مركز القوى” عام 1971. هنا، كانت “الشعرة” ضعيفة وقصيرة العمر، هدفها الأساسي كان المراقبة والاحتواء وليس التحالف، وغالباً ما كانت تنقطع لصالح سياسات القمع والتهميش.

     يُسَلِّط “القصَّاص” الضوء على أدوار لشخصيات محورية جسدت أنواعاً مختلفة من العلاقات بالسادات، لعل من أهمهم الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل، الذي يمثل حالة المثقف ذي النفوذ، حاول السادات استرضاءه أولاً ثم اصطدما معًا. يرى الكتاب أن “الشعرة” بين الرجلين ضعفت تحت وطأة الاختلاف الفكري والسياسي الحاد، خاصة حول سياسات الانفتاح والسلام، لتنتهي باعتقال هيكل ضمن حملة اعتقالات سبتمبر الشهيرة.
        ويأتى الوزير منصور حسن، “حكيم البلاط” الذي أهمل السادات نصائحه، وأفشل دوره المُهدِّئ داخل دائرة صنع القرار. لم يهتم السادات بنصائحه بعدم التصعيد، وآثر قطع هذه “الشعرة”  فحدث الصدام الشامل.

      ويقدم الكتاب صورة للكاتب الصحفى موسى صبري  رئيس مؤسسة اخبار اليوم، كصوت إعلامى للسلطة، ومُعبرًا عنها ومُدافعًا، فعمل على تضخيم صوت النظام، وهاجم  الخصوم بشراسه وحِدَّة، فكان سببًا في إضعاف “شعرة” التواصل بين السادات ومعارضيه.

     يصل تحليل “القصَّاص” إلى نتيجة مفادها أن سياسة “شعرة معاوية” كانت استراتيجية ناجحة مؤقتاً، لكنها لم تصمد أمام التحديات الكبرى. فمع تفاقم الأزمات الاقتصادية والانقسامات حول السياسة الخارجية، وقضية السلام، تقلصت مساحة المناورة، وتخلى السادات في الأشهر الأخيرة عن المرونة الذي ميزت سنوات حكمه الأولى، واتجه إلى حسم أى صراع لصالحه بالقوة المطلقة، عبر حملة الاعتقالات الواسعة. هذا التحول من “فن إدارة الخلاف” إلى “إلغاء الخلاف” هو – وفقاً للكتاب – ما أدى إلى التوتر، وكانت إحدى نتائجه المأساوية اغتيال السادات على يد جماعة الجهاد في أكتوبر 1981.

     من خلال “شعرة معاوية”، أعدتُ قراءة  فترة مهمة من تاريخ مصر فى ظل حكم “السادات”، لا كمجرد فترة من النجاحات الخارجية والإخفاقات الداخلية، ولكن كمرحلة معقدة، مارس فيها نظام الحكم  فنون الإدارة الصعبة للتوازنات برؤية رئيس النظام الذى انفلتت من بين يديه “الشعرة” فكان هو الضحية، وهو درس لا يزال يحمل إسقاطات على فهم ديناميكية السلطة والصراعات السياسية حتى يومنا هذا.

الكاتب الصحفي احمد بكير

الكاتب الصحفي اكرم القصاص

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى