العالم

في ظل انسحاب واشنطن.. بكين تتحول إلى أكبر ممول لمنظمة الصحة العالمية

في لحظة فارقة من تاريخ النظام العالمي، ومع انسحاب الولايات المتحدة من أروقة التعاون الدولي، أعلنت الصين عزمها تقديم نصف مليار دولار لمنظمة الصحة العالمية على مدى خمس سنوات، لتصبح بذلك أكبر داعم مالي للمنظمة، وخطوة ترسخ نفوذ بكين في الحوكمة العالمية.

الإعلان جاء من قلب جنيف، حيث ألقى نائب رئيس الوزراء الصيني، ليو قوه تشونج، كلمة أمام جمعية الصحة العالمية، مهاجمًا ما وصفه بـ”الأحادية” في إشارة مباشرة إلى السياسات الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب. وقال ليو: “العالم يواجه تحديات صحية جسيمة بسبب سياسات القوة… والصين ترى أن التضامن هو طريق النجاة”.

وبينما كان ترامب يصدر قرارات انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة، كانت بكين تملأ الفراغ بهدوء، لتتحول من لاعب هامشي إلى مركز ثقل في النظام الصحي العالمي.

بكين تملأ الفراغ الأمريكي

صحيفة نيويورك تايمز اعتبرت الخطوة الصينية مؤشرًا على استراتيجية واضحة لتقديم بكين كبديل “مسؤول” لواشنطن. ومع تراجع أمريكا عن التزاماتها الدولية، تحاول الصين تصدير نفسها كضامن للاستقرار العالمي.

تشاو مينج هاو، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة فودان، وصف المرحلة بأنها “فرصة ذهبية” للصين، مشيرًا إلى أن هجمات إدارة ترامب على المؤسسات الدولية فتحت المجال لبكين لإعادة صياغة المشهد الدبلوماسي العالمي.

التمدد الصيني مستمر

الصين لا تكتفي بتعهدات مالية، بل تتوسع على جبهات متعددة. فهي اليوم أكبر مساهم بقوات حفظ السلام بين أعضاء مجلس الأمن الدائمين، بحسب تقارير الأمم المتحدة، وفي زيارته لأوروبا، أكد وزير الدفاع الصيني دونج جون أن بلاده ستُزيد من دعمها لعمليات حفظ السلام، ما يعكس رغبتها في لعب دور أكبر على المسرح الدولي.

في المقابل، وصف وزير الصحة الأمريكي، روبرت كينيدي الابن، منظمة الصحة العالمية بأنها “جثة بيروقراطية”، بينما كانت بكين تتحرك لترسيخ نفسها كقوة بنّاءة في النظام العالمي.

طموحات خضراء ومواجهة في المناخ

الانقسام الصيني الأمريكي يتجاوز الصحة. ففي حين انسحبت واشنطن من اتفاق باريس للمناخ، أكدت بكين التزامها التام، وزادت استثماراتها في مشاريع الطاقة الخضراء، لا سيما في جنوب شرق آسيا.

كما تسعى لترسيخ موقعها في سلاسل التوريد العالمية، خاصة في قطاع السيارات الكهربائية، حيث تهيمن حاليًا على أكثر من 60% من الإنتاج العالمي.

في عالم تتراجع فيه واشنطن عن قيادة النظام الدولي، تظهر بكين كلاعب لا يكتفي بالمراقبة، بل يصعد بخطى محسوبة، مستغلة كل فراغ دبلوماسي وفرّته السياسات الغربية، لتعيد رسم ملامح النفوذ العالمي وفق مصالحها واستراتيجياتها بعيدة المدى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى