مقالاتمقالات كتاب الموقع

المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: حين تُفسد الكفاية اسلامة الخروج

وقع الفأر في جرّة مملوءة بالأرز، فرأى في الامتلاء نجاة، وفي السعة أمانا، وفي الإقامة راحة تغنيه عن تعب الطلب ومخاطرة السعي. فأقام يأكل مطمئنا، ولم يفطن إلى أن النعمة إذا أعفت النفس من الحركة أفسدت فيها أسباب النجاة. فلما نفد الرز، وأراد الخروج، اكتشف متأخرا أن الموضع الذي آواه أولا قد استحال قيدا، وأن الجدران التي حجبته عن الخطر قد حجبته كذلك عن الخلاص.

وهكذا شأن كثير من الناس: لا يهلكهم الفقر دائما، بل قد يهلكهم ما يشبه الكفاية حين يورثهم السكون، ويعلمهم الرضا بالدون، حتى تضمر فيهم همة الارتفاع. فما كلّ ما يُريح يُنجي، ولا كلّ ما يكفي يُحرر؛ فإن في بعض الوفرة سجنا ناعما، وفي بعض الأمان عطالة مقنعة.

فالمرء لا يُخذل حين تقلّ موارده فحسب، بل حين يأنس بما دون غايته حتى يفقد شجاعة مفارقة المألوف. ومن طال مقامه في راحةٍ لا ترفعه، خرج من باب الطمأنينة إلى ذلّ العجز؛ إذ ليست أخطر القيود ما يُكرهك على المكث، بل ما يُغريك به حتى تنسى الخروج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى