مقالاتمقالات كتاب الموقع

المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: حين تتقن النرجسية لبس هيئة التبصر

ليس أخطر ما في شخصية الساحر أنها تؤذي وتسيطر، بل أنها لا ترضى بأن تفهم، حتى تحتكر حق الفهم، ثم تُتبع ذلك باحتكار حق التشكيل. فهو لا يطلب المعرفة لوجه الحقيقة، بل لِما تمنحه من شعور خفيّ بالتفوّق، وما تستره من خوف قديم من العجز ومباغتة الواقع. ولذلك لا تكون المعرفة عنده مقام خشوع أمام الحق، بل أداة استيلاء عليه، ثم ظهورا في هيئة من يملك مفاتيحه دون سواه…

ومن هنا تنفذ النرجسية إلى صميم بنائه؛ إذ لا يعود الآخر شريكا في الفهم، بل مادة للتأثير، ولا تعود الحقيقة غاية تُطلب، بل مرآة يتأمل فيها سطوته على العقول. فيتحول من كاشف للمعنى إلى صانع إطار، ومن صاحب بصيرة إلى مهندسِ إدراك، يرتب الوقائع لا على ما هي عليه، بل على الصورة التي تُبقيه مركز الدلالة وقطب التأويل.

ولهذا يتقاطع مع بعض مؤثري السوشيال ميديا؛ فهؤلاء، حين يتجاوزون نقل المحتوى إلى احتكار تفسيره، لا يطلبون انتباه الناس ليُوصلوا معنى، بل ليُقيموا لأنفسهم مقام المرجع الذي تُرى الأشياء بعينه. وهنا لا يعود السحر عمقا في المعرفة، بل نرجسية محكمة أحسنت أن تُخفي إرادة السيطرة تحت جلال الفهم؛ ومن ملك عين الناس على العالم، أوشك أن يملك موضعه منهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى