المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: اللي في الفخ أكبر من العصفور

ليست الحرب على إيران، حين تُقرأ بمنطق الفعل لا ضجيج الشعار، مجرد “ملف نووي” يُغلق، ولا “صواريخ” تُكسر، ولا “أذرع” تُجفف.
هذه عناوين معلنة تُقدم للرأي العام كقائمة أهدافٍ نظيفة؛ لكن تحتها تعمل طبقة أخرى أشدُّ حسمًا: إعادة هندسة المجال. هذه هي “العصافير” التي تُعرض لتبرير الحملة.
المعلن: دفع إيران بعيدًا عن عتبة السلاح النووي، وإضعاف قدرتها الصاروخية التي تُمسك بها ميزان الردع، وتقليص نفوذ وكلائها في اليمن والعراق ولبنان وسوريا حيث تحوّل النفوذ إلى شبكة نار وابتزاز سياسي.
أمّا غير المعلن؛ ولا يقل وزنًا عن المعلن، فهو سحب ورقة الجغرافيا من يد إيران: أن تُخرج من معادلة تهديد الممرات المائية، لا لأنها “تملكها” قانونًا، بل لأنها تملك قدرة تعطيلها عمليًا: ألغامًا، مسيّرات، صواريخ ساحلية، ووكلاء يلوّحون بباب المندب كما يلوّحون بهرمز.
وفي الهامش الذي يُراد له أن يبدو “نزاعًا قانونيًا”، تُثار بين حين وآخر ملفات خور عبدالله وحقل الدرة بلهجةٍ تصعيدية؛ لا بوصفها خلافًا حدوديًا فقط، بل كمادّة تعبئة تُنتج سردية تبريرية جاهزة: تحويل الكويت من دولةٍ مُعتدى عليها إلى “طرفٍ مُتهم”، لتوفير غطاءٍ تبريري يُسعف أي اعتداء صاروخي/مسيّرات—إذا وقع من شبكات إيران أو من يتظلل بها—على أنه “ردّ” لا “عدوان”.
هكذا تُستخدم الخرائط كقناعٍ سياسي: تُبدِّل اسم الفعل قبل أن تُبدِّل واقع الفعل، وتفتح للمنطقة بابًا خطيرًا: أن تتحول المنازعات البحرية إلى رخصةٍ للعنف الرمادي.
الهدف هنا ليس حماية السفن فقط، بل حماية اقتصاد العالم من “ضريبة المخاطر”: أقساط تأمين ترتفع، وشحن يلتف، وأسعار تُسعّر الخوف قبل النفط.
وخلاصة المعركة: نقلُ إيران من لاعبٍ يفرض كلفةً من المنطقة الرمادية… إلى طرفٍ تُسحب منه أدوات الغموض، ويُعاد ضبطه داخل حدودٍ يمكن قياسها.
لذا على من يتصدر منصة X او شاشات الفضائيات في زمن النوازل والفتن والحروب ان يدرك ان الكلمة ليست رايا عابرا بل موقعا في ساحة المعركة. فالصراع اليوم لا يدار بالسلاح وحده بل بادارة الادراك وصياغة السردية وتوجيه الانتباه.
من يتكلم بلا استقراء سليم وبلا بحث عميق قد يظن انه يعبر بينما هو من حيث لا يشعر يستدرج ليخدم خصما ينتظر زلة عبارة او قفزة استنتاج. فالسرعة لا تنتج بصيرة والانفعال لا يصنع تحليلا واليقين الذي يولد من خوف او غضب ليس علما بل اثر حالة.
المسؤولية هنا اخلاقية قبل ان تكون اعلامية: تمييز الخبر عن التقدير والقرينة عن الشائعة والاحتمال عن الحقيقة. وان يقال لا اعلم حين تضيق المعطيات فالصمت الواعي اصدق من ضجيج يملأ الفراغ.
في زمن الفتن ليست كل كلمة شجاعة ولا كل صمت ضعفا. الشجاعة ان تزن العاقبة قبل العبارة وان تحرس المعنى من ان يتحول دون قصد الى ذخيرة في يد عدو.




