المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: العطر ذاكرة خفيفة

تخيّر عطراً ترتديه، فهو يفصح عن صاحبه أكثر مما تفصح به الكلمات، يستنطق المشاعر، ويثير ما اختزنته الذاكرة من أريج مراحل الحياة.
العطر ليس مجرد إحساس، إنه مفتاح بوابة لا واعية للذاكرة، له قدرة إقناعية تنفذ إلى دواخل الإنسان، تعيده سنوات إلى الوراء: مكان، شخص، جرح لم يختر أن يتذكره، لكنه اقتحمه بالقوة.
عطر ورد يعلوه سقيط ندى يكسوه إغراق، وحين يقطر من منابته تنحني له الأعناق، فيُهيّج الذكرى ولهاً وأشواق، ويشرح الصدر كلما انقبض وضاق، عبيره يهلهل حين يهفو الاستغراق، كأنجم في روضة من رباها الأفاق.
على صدر المدى وقارعة الأحلام، همَس شذى عطر ينثر خضراء القوافي، من زهور الورد والياسمين، يشد أجمل الذكريات بحبل متين.
ذكرى العطر ليست شعوراً عابراً، إنما مسار عصبي داخل الدماغ، فالشم له اتصال مبكر بالبنى الحوفية؛ لا يمر أولا بالمهاد كما تفعل كثير من الحواس… لذا يصل أثره إلى الذاكرة والانفعال أسرع من الفهم. أما كثيرٌ من الحواس فتسلك طريقًا أطول عبر مراكز التنظيم والتحليل قبل أن تُفهم.
الرائحة تسلك مساراً مباشراً، لا تنتظر إذناً، ولا تطلب موافقةً، تدخل مباشرة إلى مراكز الذاكرة والعاطفة.
كيان العطر ثلاثة طبقات، وجزيئات رائحته تصل إلى الأنف، تتحول إلى إشارة كهربائية، ثم مباشرة إلى القشرة الشمية، ومن هناك إلى الحصين، أي إلى مركز تخزين الذكريات.
الرائحة لا تحلل، بل تسترجع، هي قوية لأنها تتجاوز التفكير الواعي، لا تمرّ بالعقل، ولا تقف عند التصفية.
لهذا قد يتسارع قلب الإنسان ويضطرب وجدانه، يشعر بالشوق، بالفراغ، بالحزن، قبل أن يدرك السبب.





