الفكر الكويتي حجاج بوخضور: الأنساب القبلية بين الحقيقة والتحوير التاريخي

استوقفني حديث بعض وجهاء أكثر من قبيلة عن دخول قبائل أخرى فيها، وأن هذه القبيلة او تلك إنما مكونها من أحلاف بين قبلتين أو أكثر، وهو ما دفعني إلى دراسة مسار الأنساب في القبائل…
حيث تأكدت أن الأنساب في التاريخ لا تسير على خطّ مستقيم؛ بل تمر بمراحل انقطاع وإعادة تركيب؛ وتتكسّر ثم تُعاد صياغتها، فهي ليست دائما سلسلة صمّاء متصلة، وإنما بنية يدخلها الإحلال أو التحوير أو الادعاء، ولا سيما حينما تعصف الهجرات الكبرى وتشابه الأسماء حتى يلتبس الأصل باللاحق…
ومع ضعف التدوين، وانقطاع التوثيق، وضياع السجلات بسبب الحروب وتقلّب الدول، تتسع فجوات النسب، ويغدو ترميمها وسدها لاحقًا عملاً صعبا ومحفوفا بالاحتمال…
ثم تأتي التحالفات والاندماجات القبلية، فتمنح جماعة اسما أكبر، أو إطارًا أقوى من مسارها الأول؛ فينشأ إحلال نسبي، ويتكوّن نسب اجتماعي جديد قد يتقدّم في الوعي العام على الأصل البيولوجي نفسه…
ويشتد الالتباس حين تتشابه أسماء الأجداد والبطون والأفخاذ والمواضع؛ فينقلب اللفظ الواحد شاهدا على أكثر من معنى: اسم قبيلة، واسم مكان، واسم جد، إذا اتفقت الألفاظ…
ولا يقل أثر الحوافز السياسية والاجتماعية عن أثر الحروب والهجرة: طلبُ المكانة، وصناعةُ الشرعية، ومنطقُ المصاهرة، وامتيازاتُ الحماية؛ كلها تدفع إلى انتساب يبدأ ولاء، ثم يتحوّل مع الزمن في الذاكرة الجمعية؛ إلى “نسب دم”
وكثير من كتب الأنساب وصلتنا عبر نسخ متأخرة تحتمل السقط والتصحيف والإضافات اللاحقة، بل والدمج بين روايات متعارضة، لذلك لا يُفهم النسب إلا بالموازنة بين الرواية والوثيقة والقرينة الاجتماعية.





