مقالاتمقالات كتاب الموقع

بلد الجباية… المواطن يدفع والدولة تبرّر|بقلم كمال كبشه

لم يعد السؤال في مصر: “الأسعار غليت قد إيه؟” بل: “فاضل من الحياة إيه؟”. المواطن لم يعد يواجه أزمة عابرة، بل يعيش نمطًا يوميًا من الاستنزاف: يدفع كي يسكن، ويدفع كي يتحرك، ويدفع كي يتواصل، ويدفع كي يتعالج ويتعلم، ثم يُطلب منه في النهاية أن “يتحمّل” وكأن التحمل وظيفة وطنية بلا نهاية. الأزمة ليست الغلاء وحده، بل شعور متزايد بأن الدولة تتعامل مع المواطن كمصدر تحصيل قبل أن تكون مسؤولة عن حمايته.
واقع الناس على الأرض لا يشبه لغة البيانات.

ضرائب ورسوم تتسع، وفواتير كهرباء وغاز ومياه ترتفع بوتيرة أسرع من قدرة الأسر على التكيّف، دون تحسن ملموس في جودة الخدمة أو شفافية تُقنع المواطن أين تذهب حصيلة ما يدفعه.

السكن، وهو الحد الأدنى من الاستقرار، صار عبئًا إضافيًا بدل أن يكون أمانًا، وكأن الاستقرار نفسه بات امتيازًا مدفوع الثمن.

المواصلات تحولت إلى بند استنزاف يومي؛ كثيرون يشعرون أنهم يعملون لتغطية تكلفة الوصول للعمل والعودة منه. وحتى الهاتف والإنترنت، وهما ضرورة للدراسة والعمل والخدمات، صارا سلسلة رسوم وباقات لا تكفي، في زمن أصبح فيه الاتصال شرطًا للحياة. ومع اتساع منظومة المخالفات والغرامات الثقيلة، يتعزز الإحساس بأن التحصيل صار أسلوبًا، وأن الطريق نفسه أصبح بابًا إضافيًا للدفع.

وفي القلب من كل ذلك، غلاء يلتهم الطعام والدواء، ودعم يتراجع تدريجيًا، بينما الدخول ثابتة أو تتحرك ببطء لا يليق بسرعة القفزات. الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الجباية، بل بعدالة توزيع العبء وبما يلمسه الناس في معيشتهم. أخطر ما يحدث ليس عجز الموازنة فقط، بل تآكل الثقة. المواطن ليس ماكينة دفع… المواطن هو البلد، ولا إصلاح بلا عدالة ولا استقرار بلا شراكة تحمي الناس لا تستنزفهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى