المغترب المصري… من «رافعة الاقتصاد» إلى مواطن على طابور الرسوم| بقلم كمال كبشة

المغترب المصري لم يبتعد عن وطنه بحثًا عن رفاهية، بل هربًا من ضيق الفرص وسعيًا وراء مستقبلٍ أفضل لأسرته. سنوات طويلة قضاها في الغربة، يتحمل ثمن البعد والاغتراب، ومع ذلك ظل حاضرًا في قلب الاقتصاد عبر تحويلاته التي تحولت إلى أحد أهم مصادر النقد الأجنبي ودعم الاستقرار المالي. لكن المفارقة المؤلمة تبدأ عندما يقرر العودة: لماذا يشعر كثير من المغتربين أن وطنهم يستقبلهم بإجراءات مُرهِقة ورسوم مرتفعة بدلًا من الترحيب والإنصاف؟
تحويلات بالمليارات… ومعاملة لا تعكس التقدير: الدولة تدرك قيمة تحويلات المصريين بالخارج وتأثيرها على الاقتصاد، لكن جزءًا معتبرًا من المغتربين يرى أن السياسات التنفيذية عند العودة لا تعكس هذا الدور. المطلوب ليس امتيازات خارج المنطق، بل اعتراف عملي بأن المغترب شريك حقيقي، وأن العودة لا ينبغي أن تُقابل بعقلية التحصيل وحدها.
السيارة… تنظيم مطلوب لكن دون تحميل العودة تكلفة مُبالغًا فيها: استيراد سيارة للاستخدام الشخصي يمثل لدى كثيرين خطوة طبيعية للاستقرار، لا بابًا للتجارة. هنا يظهر التحدي: كيف نضمن تنظيمًا يمنع الاستغلال وفي الوقت نفسه لا يجعل عودة المغترب عبئًا ماليًا وإجرائيًا يفوق القدرة؟ الحل ليس في فتح الباب بلا ضوابط، بل في مسار عادل وواضح للعائد للاستقرار النهائي يختلف عن مسار المستورد بغرض الربح.
المقتنيات الشخصية… الهاتف ليس رفاهية: الهاتف المحمول وغيره من المتعلقات الشخصية باتت جزءًا من الحياة اليومية: تواصل، بنوك، عمل، خدمات. لذلك فإن أي منظومة تنظيمية يجب أن تُطبق بقدرٍ عالٍ من الوضوح والسلاسة، بحيث لا تتحول مقتنيات المواطن إلى مصدر توتر أو مفاجآت على المنافذ، خصوصًا لمن يعود لفترات قصيرة أو يعود للاستقرار.
القضية ليست رسومًا فقط… بل ثقة وكرامة: الأثر الأكبر ليس في الأرقام وحدها، بل في الشعور العام. المغترب الذي دعم وطنه سنوات ينتظر عند العودة إجراءات بسيطة ومعلنة، ومعاملة تليق بمواطن لم ينقطع عن بلده. إن تبسيط الإجراءات، وشفافية الرسوم، وتوحيد التطبيق ليست رفاهية إدارية، بل جزء من بناء الثقة بين الدولة وأبنائها في الخارج.
مطلوب سياسات إنصاف لا شعارات: إنشاء مسار واضح للعائد للاستقرار النهائي بامتيازات منضبطة لا تُستغل تجاريًا، وشفافية كاملة في الرسوم والضوابط قبل الوصول للمنافذ، وتخفيف التعقيد وتوحيد التطبيق لمنع الاجتهادات المتضاربة، مع تأكيد أن كرامة المواطن جزء أصيل من قوة الدولة وهيبتها.
في النهاية، المغترب المصري ليس مجرد رقم في بند التحويلات، بل طاقة بشرية وخبرة وشريك اقتصادي واجتماعي. وإذا كانت الدولة تريد استمرار هذا الدور وتعظيمه، فالمدخل الأكثر واقعية هو أن يشعر المغترب عند العودة أنه يعود إلى وطنٍ ينصفه… لا إلى إجراءات تُثقل عليه أكثر مما احتملته الغربة نفسها.





