ضوء في آخر النفق.. قلب في الانعاش ! بقلم :محمود الشربيني

في طفولتنا الريفية تشبعنا بالكثير من الخرافات..كان من بينها العفاريت التي تملا المقابر
-لا تعرف ابدا مالذي جرى لك وانت غائب عن الوعى ؟ هل تشاجرت مع محمد السيد اسماعيل – صديقي الشاعر والناقد الذى رحل قبل اسابيع -لانه سبقك الى مكان الراحة الابدية الذي بت تنشده ولا تصل اليه؟
ام انك ستستدعي من غياهب الجب ذكرياتك مع احدي زوجاتك خاصة تلك التي كانت تقول لك كلما اقترب موعد فراقكما بالطلاق النهائى : “انت علمتني كل شيء ..علمتني الحب ..علمتني اللبس ..علمتني الجنس ..قالت كلمة اخري في الحقيقة كنت اداوم على تعليمها لها ” .
ربما سوف تستدعى جمال عبد الناصر من مرقده الدائم ومحله المختار في منشية البكري لتسأله:كيف فعلت كل هذا بنا ؟ كيف انتكستنا واخترت السادات خليفة لك .. ليقودنا ومبارك الى كل هذه ال 67 الممتده منذ وقعت النكسة الحقيقية الى النكسات المستمرة التي نعيشها ولم تفلح حتي ثورة شعب -انتفض كله ..كله ..حتى اسقط حاكمه المستبد – في التخلص من آثارها؟
اول جراحة اجريتها في حياتي كانت في مستشفى العدان بالكويت ..اجراها الدكتور على المكيمي ..احد اهم اطباء العظام بالكويت .خرج من غرفة العمليات ليقول لي “هاك سي دي للعملية “..ثم اخذ يتضاحك مع فريقه الطبي ..زاعما انني افشيت اسرارا خطيرة .. من الحب الى الحرب وعبثا حاولت ان افهم ولكنهم ودعوني وذهبت الى غرفتي حائرا افكر مالذي قلته وهل يعاقب عليه القانون ام المجتمع؟
ربما يقول احدهم انك لو سالت الطبيب مالذي قلته اثناء العملية سيقول لك..ولو كانوا يفعلون ذلك لقال لي د. المكيمي كل شيء.فى غرفة العمليات وتحت تاثير البنج لا تعرف هل ستتحدث لطاقم الجراحة عن اسماء؟.. ام عن نبيله ومني وصفاء ومروة..وووو ؟في تلك اللحظة الفارقة اخشي اذاعة مالا يذاع ..كأن اذكر اسم امراة تحبني و لا امل لي فيها ..او نزوة من النزوات المهلكة .. التي تبدو لي الان كسهم ألقيى من خلف ظهرى ..او حادثة من حادثات الليالي التي قمت فيها واصدقاء شبابي وصبايا مثلا بحرق “غيط “كامل من الذرة .. لنشعل الارض نورا ..يمكننا من جمع البلح الاحمر والرطب .. الذى تساقط على الارض .. وكانت ظلاما دامسا .
كانت فكرته الجريئه ان ينير لنا الارض ولو بحرق غيط الدرة كي نجمع ثمار البلح الرائعة بل الاروع اطلاقا .. اسقطها لنا من فوق شواشى النخل ..هز النخلة هزا شديدا .. الصديق المهاجر احمد بيومي .هل وشيت به مثلا في غرفة الافاقة ؟
في طفولتنا الريفية تشبعنا بالكثير من الخرافات..كان من بينها العفاريت التي تملا المقابر ..فيما تعتقد النساء العقيمات ان زيارة واحدة لهذه المقابر ليلا كفيله بأن تمنحهن الطفل الذي ينقذ الزواج.. وكان من بين هذه الخرافات او الاساطير او الجنون المطبق هو ماتصورناه عن البنج او المخدر ..استقر في وعينا ان هذا البنج او المخدر الذى نحقن به قبل العمايات مثل الكحول الذى نشربه ..فالاول يفك عقدة لساننا في غرفة الافاقة والثاني يفك عقدة السنتنا امام الناس .. في البارات ..في الصالونات.. في الاحتفالات الاسرية ..كلاهما يفك عقدة لساننا .. فلا نمسكه .. و نتحدث عن مالا نريد ونحن واعون ..المخدر يغالبنا ويقهرنا فيبوح اللسان بما لا يطاق.
لاتعرف عن اي زوجة تحدثت ..الاولى ام الثانية ؟”ام التالته التي لم تكن التابتة”؟ أم المرشحة المحتملة لتكون الرابعة .. لولا افافتك السريعة .. وادراكك بان هذا خطر كبير .. لكنت لبست في شجرة بعد ذلك.. ولا تعرف مالذى حدث ..هل احترق موتورك كليا ام تحطمت عفشتك وبالتالي لاامل لك؟؟
أجريت مؤخرا جراحيتين ..في وضع كان قمة في الخطورة بالنسبة لشخص مثلي.مدمن تدخين – واشياء اخرى -سابق ..يعاني مشكلات خطيرة في التنفس .. وفضلاً عن ذلك ..فان بدانتي كان ممكنا ان تجعل من عملية إفاقتي السريعة من المخدر القوي الذي حقنت به ..امرا غاية في الصعوبة .. لم تردعني التساؤلات الكثيرة من قبل اطباء التخدير التي كانت موجهه لطبيب القلب والصدر الشهير .. – الدكتور شريف عبد الهادى عميد معهد القلب السابق -عما اذا كانت حالتي ستتطلب البقاء أياما في غرفة الافاقة ( الانعاش) ؟.
اخطر ما في الأمر .. انني حجبت كل هذه الاخبار والمخاوف عن الغالبية العظمى من الناس..وفي مقدمتهم اولادي الثلاثة .. حتي أكبرهم .. محمد لم يعرف حتي هذه اللحظة بما أقدمت عليه! وكان شادي ومازن غادرا القاهرة لقضاء إجازة شهرا في الكويت .. عقب انتهاء عيد الاضحى ..وذلك لأول مرة بعد استقالتي من عملي بالصندوق الكويتي كبيرا للاعلاميين فيه عام 2018 ..وبالتالي لم يعرفا بالخبر حتي ابلغتهما به قبل أيام .. لا اعرف تحديدا السبب الذي جعلني ابلغهما الان ماجري .. ولكني اعلم لماذا اخفيته عنهما تحديدا.. ربما اردت أن يبتهلا الى الله بدعوة طيبة مستجابة بالشفاء التام !
الجراحتان بحد ذاتهما ليستا بهذه الخطورة.. ولكن ما كان تهديدا بما قد ينجم عنهما هو المخيف ..فما كان مرشحا للحدوث نتيجة الجراحتين هو مايجعل منهما خطيرتين فعلا .. لكني اولا أود أن اكشف أسبابا متنوعة ومتعددة حكمت قراري بعدم إبلاغ أحد ما اعتزمته .. -طاقة الناس في هذا العصر تغيرت .. لم تعد قدرتهم على التحمل كبيرة ..قد تكون متاكدا من ذلك ومع هذا ..ربما عند المحكات لاتقبل بهذا الفهم الذي تواضعت بنفسك عليه .
سترفض ان يكون اداء ابنك او اختك او اصدقائك منقوصا ولو بقدر ما.. لاسيما اذا كانت لك سوابق تاريخية معهم ..وفي الملمات والخطوب والاحداث المهمة قمت ب الواجب وقدمت المحبة كاملة .
كان هذا اول مااخافني ..خصوصا ممن كنت اضع فيهم كل ثقتي .. لم اكن احب ان اتعرض- ممن احبهم – لخذلان مرير..يبدو انه سمة العصر . – لم يكن هناك في هذه اللحظة المرعبة من هو أهم من مرافقتي في غرفة الإقامة قبل وبعد الجراحتين ..أنها السيدة اميرة .. مساعدتي ومساعدة أبنائي في المنزل.
ساتذكر دوما أنه ماكان ممكنا إجراء هاتين الجراحتين لولا مرافقتها لي .. ولولا أن لي اصدقاء في كل مكان يمكنني أن الجأ اليهم إذا تطلب الأمر..في الكويت برنسيس القلوب والعطاء ام مناف .. لامثيل لقلبها الكبير.. اعلم انها ستغضب أن عرف الناس انني أتحدث عنها. وأخي وصديقي الفنان والأديب والمخترع الكويتي الموهوب خالد المهنا .. وهو رجل نعرفه معرفة وثيقة منذ أن كنا في الكويت ..وكان في كل وقت وحين يملأ الدنيا أفكارا صادمة أو حادة أو جديدة. يكتب ويغني ويلحن بعض الأغنيات البسيطة التي ينفعل بها .. ثم يعلن على اصدقائه وانا من بينهم أن لديه ابتكارا مهما سيغير شكل العلاقة بين كبار السن وذويهم في كل مكان ووقت يحتاجون إليه. إنه يعمل على تصميم تطبيق اهم من ابليكيشن الإسعاف ..بالنسبه لكبار السن..يساعدهم إذا تعرضوا لأزمة ما ..بأن يتواصلوا مع ذويهم ومع غيرهم بسرعة شديدة .. اخبرني خالد انه قد انتهي من تصميم التطبيق .. وربما ينفذ حالياً .
أتمني لخالد المهنا صديقي أن يأخذ مكانه وحقه في بلده . الكويت التي عشت فيها نحو ٣٠ عاما واجهت فيها أياما حلوه وآخري مره ..تذكرني بفيلم فاتن حمامة الشهير يوم حلو ويوم مر.. قابلت وعرفت وعملت وتآخيت مع ام مناف مثال للإنسانية والعطاء. والتقيت خالد المهنا. وكم انا سعيد به.. ومن الكويت أيضا احتفظت بصداقة اخي احمد النوبي الذي أوصلني إلى المستشفى وبقي بجانبي حتى خرجت ليلا من غرفة العمليات .
احتفظت أيضا بصداقة وزمالة أخي أسامه جلال مؤسس موقع مصريون في الكويت. أسامة أحد المقربين مني .. وعلى مشارف عيد الاضحى الماضي كنا معا .. وكان يمد المحبه والعون .. لكني لم اشا أن ارهقه بأنني سادخل العمليات !
أما الدكتورة أنيسة الكاتبة البحرينية الرائعة فقد كانت نعم الصديقة الوفية .. التي ظلت تسال وتستفسر عن الجراحتين واسبابهما ولماذا ومااذا كنت متأكدا من نجاعة الجراحة وكفاءة الطبيب وماتزال تسأل حتي الآن هل أصبحت بصحة أفضل وهل تحقق لي المراد من الجراحتبن ؟ من الدكتورة أنيسة في مملكة البحرين اعود إلى القاهرة.. حيث هناك اصدقاء .. وأصدقاء! هناك اصدقاء حقيقيون وآخرون يمثلون الصداقة.. انت تشعر بالصديق الحقيقي..قلبك لايخطئه .. أصدقائي في >اللمة >بقيادة العمدة احمد بكير .. وكان آخر من التقيته يوم وقفة العيد .. ولم يكن أحد بجواري .. حتي المراة التي كانت تاتي طائرة نسيت الطريق الى غرفتي وعناويني بما فيها الغرفة 201 بمستشفى مكة التي اقمت فيها وتعايشت مع الخطر والخوف والرعب .. والوحدة.
لقد قررت ان اغوص في وحدتي اتجرع مرارتها ! لم يملا احد في حياتي شعور الوحدة هذا – في زمان امتد لنحو اربعة عقود -سوى ثلاثة: الكاتب الصحفي محمد هزاع .. السيناريست فتحي سعد .. وثالثهما صديق عزيز هو كمال الصفتي رحمات الله عليه ورضوانه. باعدت الايام والمواقف بين الاصدقاء ..فبقيت الذكريات.. وعاودت الوحدة تفرض تكشيرتهاا الحزينة على ملامحي .. او كما كان صديقي الصفتي يقول : “الكآبة ترسم اشجارها على المحيا “.
اخي وزميلي احمد بكيرهو واحد من كبار الصحفيين المصريين.. واحد العقول المصرية الشغوفة بالعلم والمعرفة..لولا محبته لما امكنني اتخاذ قرار الجراحة التي اخفيتها عنه وعن ” اللمة” ذلك الجروب الذي يجتمع على ضفافه زملاء وأصدقاء كثيرون يعملون في بلاط صاحبة الجلالة .. وبات مرسانا جميعا بيت أحمد بكير العامر في العبور.
لم تكن هناك امرأة.. صديقة أو حبيبة بجواري في هذه الجراحة .. ربما احبتني امراة شابة .. وبادلتها حبا بلا امل ..لكنها لم تستطع ان تأتي لتراني .. فقط كان يرافقني في هذه الرحلة الصعبة كما ذكرت السيدة الي تدير بيتنا .. انا وشادي ومازن .. كتبت لها قائمة بما انا مدين به لاصدقائى .. وما اريدها أن تفعله وتخبر به ابنائي .. وشقيقتاي منار وزوجها السيد خفاجى واختي ميرفت ووزوجها الاستاذ رضا صلاح في حال حدث لى مكروه .. وما الذي ستفعله في هذه الحاله ..واوعزت لها أن تخبر محمد ابني الأكبر بأن يأتي ليكون مع إخوته في شقة الزيتون ..ويتولى الانفاق عليهما .
لماذا كانت هذه الاسماء القليلة فقط هي من جعلتها دائرتي الضيقة ؟ لماذا اذكر المعروف وانسبه لاهله ؟ولما لا افعل والحياة امتلات بالخذلان المرير ولم يعد ممكنا تحمل الكثيرمن الخيبات..واه من الخيبات .. ارض.. مالحة .. شديدة التعذيب بشكلها المريع..ولا نبت فيها ولا ثمار ..ربما لو عاد الزمان ..لكن منذ متى كان عناد الزمان يلين للمحبين؟ للحديث بقية
#الشربني
#القلب
#الانعاش
















